عن العمل وحاصل قبله, فلا معنى للقول بأن العمل فيها مانع من التقليد. وإن كان بالعكس فإن كان يعتقد الإباحة فقلد في الوجوب أو التحريم فالقول بالمنع أبعد. وليس في العامي إلا هذه الأقسام. نعم, المفتي على مذهب إمام إذا أفتى بكون الشيء واجبا أو مباحا أو حراما ليس له أن يقلد ويفتي بخلافه, لأنه حينئذ محض تشه.
والثاني – ظاهر كلامهم جريان هذا الخلاف في تتبع الرخص وغيرها. وربما قيل: اتباع الرخص محبوب, لقوله عليه السلام: “إن الله يحب أن تؤتى رخصه” 1.
ويشبه جعله في غير المتتبع من الانتقال قطعا, خشية الانحلال. وحكى ابن المنير عن بعض مشايخ الشافعية أنه فاوضه في ذلك وقال: أي مانع يمنع من تتبع الرخص ونحن نقول: كل مجتهد مصيب, وأن المصيب واحد غير معين, والكل دين الله, والعلماء أجمعون دعاة إلى الله, قال: حتى كان هذا الشيخ – رحمه الله – من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه – مثلا – في حنث ينظر في واقعته, فإن كان يحنث على مذهب الشافعي ولا يحنث على مذهب مالك قال لي: أفته أنت. يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعا. كان ينظر أيضا في فساد الزمان وأن الغالب عدم التقيد, فيرى أنه إن شدد على العامي ربما لا يقبل منه في الباطن, فيوسع على نفسه, فلا مستدرك ولا تقليد, بل جرأة على الله تعالى واجتراء على المحرم. قلت: كما اتفق لمن سأل التوبة وقد قتل تسعا وتسعين.
قال: فإذا علم أنه يئول به إلى هذا الانحلال المحض فرجوعه حينئذ في الرخصة إلى مستند وتقليد الإمام أولى من رجوعه إلى الحرام المحض. قلت: فلا ينبغي حينئذ إطلاق القول بالجواز مطلقا لكل أحد, بل يرجع النظر إلى حال المستفتي وقصده.
قال ابن المنير: في الحكايات المسندة إلى ولد ابن القاسم حنث في يمين حلف فيها بالمشي إلى بيت الله الحرام فاستفتى أباه, فقال له: أفتيك فيها بمذهب الليث كفارة يمين, وإن عدت أفتيتك بمذهب مالك. يعني بالوفاء, قال: ومحمل ذلك عندي أنه نقل له مذهب الليث لا أنه أفتاه به, وحمله عليه علمه بمشقة المشي على الحالف أو
ـــــــ
1 رواه أحمد في مسنده “2/108” حديث “5866” عن ابن عمر قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته” ورواه ابن خزيمة في صحيحه “2/73” حديث “950” ورواه ابن حبان في صحيحه “8/333” حديث “3568” بلفظ ” إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى عزائمه” وعن ابن غباس بنفس اللفظ “2/69” حديث “354”.